تزوير محررات ونسبها لجهات وهمية لا يعتبر تزويرا
/ / تزوير محررات ونسبها لجهات وهمية لا يعتبر تزويرا
جرائم قانون العقوبات الإماراتي

تزوير محررات ونسبها لجهات وهمية لا يعتبر تزويرا

تزوير محررات ونسبها لجهات وهمية لا يعتبر تزويرا

تزوير محررات ونسبها لجهات وهمية لا يعتبر تزويرا

 

تعرض قانون العقوبات الإماراتي لجريمة تزوير المحررات ، وذلك في القانون الاتحادي رقم 3 لسنة 1987 م ، حيث أنه عرف تزوير المحرر بأنه تغيير الحقيقة فيه تغييرا من شأنه إحداث ضرر، وبنية استعماله كمحرر صحيح ، وقد حدد القانون عقوبة التزوير في محرر رسمي بالسجن مدة لا تزيد على عشر سنوات ، وبالحبس إذا كان المحرر غير رسمي .

 

والملاحظ هنا أن القانون في تعريفه لجريمة تزوير المحررات قد ربط بين أمرين ، الأول هو تغيير الحقيقة في المحرر، والأمر الثاني أن يحدث هذا التغيير ضررا بالغير ، وهنا يتبادر إلى أذهاننا سؤال في محله ، ماذا لو أحدث الفاعل تغييرا في حقيقة المحرر ولكنه لم يلحق ضررا بأحد ، أو ماذا لو كانت الجهة المفترض أن يلحق بها الضرر جهة وهمية غير حقيقية .

 

ولتوضيح هذه الفكرة سنتطرق لمثال واقعي يتعلق بقضية شهدتها محاكم الإمارات مؤخرا ، حيث قام الفاعل باصطناع شيك منسوب لأحد البنوك على غرار الصحيح منه بقيمة  350 مليون دولار أمريكي ، ومن ثم استعمل المحرر المزور ، وقد خاب أثر الجريمة لسبب اكتشافها قبل تمام الواقعة .

 

وبناء عليه قضت محكمة أول درجة بحبس المتهم مدة ستة أشهر و إبعاده عن الدولة إضافة إلى مصادرة المحرر المزور ،  حيث نسبت إليه الجرائم التالية :

 

  • ارتكاب جريمة تزوير في محرر غير رسمي .
  • استعمال المحرر المزور ، موضوع التهمة الأولى ، حيث قام المحكوم عليه بتسليم صورة منه للاحتجاج بما جاء به لارتكابه الجريمة الثالثة .
  • الشروع في الاستيلاء لنفسه على فندقين بقيمة 300 مليون دولار أمريكي ، وذلك باستعمال طرق احتيالية بأن أدعى أنه رجل أعمال يرغب في شراء الفندقين موضوع التهمة ، وقدم للجهة المالكة لهذين الفندقين صورة الشيك سالف البيان وإيصال يفيد بأنه أودع أصل الشيك لدى البنك ، وكشف حساب باسمه صادر من ذات البنك ، وقد خاب أثر الجريمة لسبب لا دخل لإرادته به ، وهو اكتشاف امره قبل تمام الواقعة .

 

وفي الاستئناف الذي تقدم به المتهم ، قضت المحكمة الاستئنافية بقبول الاستئناف شكلاً ، وفي الموضوع بتعديل الحكم المستأنف فيما قضى به عن التهمتين الأولى والثانية بالاكتفاء بحبس المتهم شهرين عن التهمتين للارتباط ، وبمصادرة المحررات المزورة ، وببراءته عن وصف التهمة الثالثة.

 

طعن المحكوم عليه بطريق التمييز بموجب تقرير تمييز أرفق به مذكرة بأسباب الطعن موقع عليها من محام طلب فيها نقض الحكم ، وقد كان لمحكمة التمييز الكلام الفصل في هذه القضية ، حيث جاء في حكمها بأن نعي الطاعن على الحكم المطعون فيه بإدانته بجريمتي التزوير في محرر غير رسمي واستعماله قد شابه الخطأ في تطبيق القانون ، ذلك أن ما حرر في الشيك موضوع الاتهام ما هو إلا إسناد كاذب ، ولم يترتب عليه ضرر لحق بالشاكي بصفته ، حيث أدانه الحكم دون أن يلتفت إلى دفاعه في هذا الصدد ، مما يعيبه بما يستوجب نقضه.

 

وقد لخص حكم الطعن وقائع القضية بأن الطاعن تقدم بطلب لشراء فندقين عرضتهما الجهة المالكة للبيع ، ولإثبات جديته في الشراء قدم لها صورة ضوئية لشيك مسحوب على بنك في أستراليا بمبلغ 350 مليون دولار أمريكي ، إلا ان الجهة المالكة للفندقين وهي في سبيل التحري والتقصي عنه ثبت لها بأن البنك المسحوب عليه ذلك الشيك لا وجود له وغير قائم سواء داخل الدولة او خارجها ، ثم خلص الحكم إلى إدانة الطاعن .

 

وعليه ، لما كان ذلك وكان من المقرر أن التزوير أياً كان نوعه يقوم على إسناد أمر لم يقع ممن أسند إليه في محرر أعد لإثباته بإحدى الطرق المنصوص عليها قانوناً ، بشرط أن يكون الإسناد قد ترتب عليه ضرر أو يحتمل أن يترتب عليه ، فعند انتفاء الإسناد الكاذب في المحرر لا يصح عندها القول بوقوع التزوير.

 

فإذا اصطنع شخص محررا يدعى فيه لنفسه أو لغيره حقاً في ذمة شخص خيالي ليس له وجود حقيقي ووضع إمضاء نسبه إلى هذا الشخص فلا يعد ذلك تزويراً ، لكون هذا المحرر يعتبر مجرداً من القيمة القانونية ، إذ أنه لم يمس حق أو مصلحة لأحد ولم يترتب عليه ضرر للغير.

 

وبما أن البين من الأوراق – في القضية موضوع هذا المقال – أن الطاعن اثبت لنفسه في ورقة عرفية وهي صورة الشيك المقدمة منه إلى الجهة المالكة للفندقين ، أثبت امتلاكه المبلغ المدون في الشيك  لدى بنك ثبت أنه لا وجود له ، ولئن كانت هذه البينات غير صحيحة ، إلا أنها نسبت لمجهول ولم يترتب عليها ضرر للغير لكونه محرر عديم القيمة القانونية غير صالح لأن يكون سنداً مثبتاً لحق ، ومن ثم فلا يعتبر ذلك تزويرا ، وإنما يعد من قبيل الإقرارات الفردية التي تخضع للفحص والتمحيص من قبل متلقيها ، خاصة وأنه لم يترتب عليه ضرر للغير .

 

وإذ خالف الحكم المطعون فيه هذا النظر ودان الطاعن بوصف التزوير في محرر عرفي فإنه يكون قد أخطأ في تطبيق القانون وتأويله ، فإنه يتعين نقض الحكم المطعون فيه والحكم ببراءة الطاعن مما نسب إليه دون حاجة لبحث باقي أوجه الطعن .

 

والخلاصة أن حكم الطعن هذا توجت فيه عدالة القضاء الإماراتي ودقته في إطلاق أحكامه ، فهو إذا أدان جريمة تزوير المحررات ، فهو قبل أن يحدد عقوبتها عرفها بأنها تغيير للحقيقة  في المحرر تغييرا من شأنه إحداث ضرر للغير ، وبنية استعماله كمحرر صحيح ، فإن كان هذا الغير جهة وهمية غير حقيقية ، فإن اصطناع محرر مغاير للحقيقة ونسبه إليها لا يعتبر تزويرا لكونه لا يلحق بها ضررا .

 

المحامي / محمد المرزوقي
مكتب محمد المرزوقي للمحاماة والاستشارات القانونية
دبي – ابوظبي – الامارات

مقالات ذات صلة